عبد الرحمن السهيلي
195
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
غزوة تبوك سميت بعين تبوك ، وهي العين التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ألا يمسوا من مائها شيئاً ، فسبق إليها رجلان ، وهي تبض بشيء من ماء ، فجعلا يدخلان فيها سهمين ليكثر ماؤها ، فسبهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال لهما : ما زلتما تبوكانها منذ اليوم فيما ذكر القتبي ، قال : وبذلك سميت العين تبوك ، والبوك كالنقش والحفر في الشيء ، ويقال منه : باك الحمار الأتان ببوكها إذا نزا عليها . ووقع في السيرة : فقال : من سبقنا إلى هذا ؟ فقيل له : يا رسول الله ، فلان وفلان وفلان ، وقال الواقدي : فيما ذكر لي ، سبقه إليها أربعة من المنافقين معتب بن قشير ، والحارث بن يزيد الطائي ، ووديعة بن ثابت ، وزيد بن لصيت . وذكر الجد بن قيس ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم له : يا جد هل لك العام في جلاد بني الأصفر ، يقال : إن الروم قيل لم بنو الأصفر ، لأن عيصو بن إسحاق كان به صفرةً ، وهو جدهم ، وقيل : إن الروم بن عيصو هو الأصفر ، وهو أبوهم ، وأمه نسمة بنت إسماعيل ، وقد ذكرنا في أول الكتاب من ولدت من الأمم ، وليس كل الروم من ولد بني الأصفر ، فإن الروم الأول هم فيما زعموا من ولد يونان بن يافث بن نوح ، والله أعلم بحقائق هذه الأشياء وصحتها . وذكر يونس بأثر حديث الجد بن قيس عن عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم أن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم يوماً ، فقالوا : يا أبا القاسم إن كنت صادقاً أنك نبي فالحق بالشام ، فإن الشام أرض المحشر وأرض الأنبياء ، فصدق النبي صلى الله عليه وسلم ما قالوا فغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام ، فلما بلغ أنزل الله تعالى عليه آيات من سورة بني إسرائيل بعد ما ختمت السورة « وإن كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَك من الأرض ليُخْرِجُوك منها وإذاً لاَ يَلْبَثُون خلافك » إلى قوله : « تَحْوِيلاً » الإسراء . فأمره بالرجوع إلى المدينة ، وقال : فيها محياك ، وفيها مماتك ، ومنها تبعث ، ثم قال : « أَقِم الصلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ » إلى قوله : « مَحْمُوداً » الإسراء فرجع النبي صلى الله عليه وسلم فأمره جبريل ، فقال : سل ربك ، فإن لكل نبي مسألةً ، وكان جبريل عليه السلام له ناصحاً ، وكان محمد صلى الله عليه وسلم له مطيعاً ، فقال : ما تأمرني أن أسأل ؟ قال : « قُلْ رَبِّ أَدْخِلْني مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخرجني مُخْرِج صِدْقٍ واجْعَلْ لي من لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً » وهؤلاء نزلن عليه في رجعته من تبوك . أبو ذر : فصل : وذكر أبا الغفاري ، وإبطاءه . واسمه : جندب بن جنادة ، هذا أصح ما قيل فيه ، وقد قيل فيه : برير بن عشرقة ، وجندب بن عبد الله ، وابن السكن أيضاً . وقول النبي صلى الله عليه وسلم : كن أبا ذر ، وفي أبي خيثمة : كن أبا خيثمة ، لفظه لفظ الأمر ، ومعناه الدعاء ، كما تقول : أسلم سلمك الله . من معاني كلمة وحده : وقوله في أبي ذر : رحم الله أبا ذر يمشي وحده ، ويموت وحده ، أي : يموت منفرداً ، وأكثر ما تستعمل هذه الحال لنفي الاشتراك في الفعل نحو كلمني زيد وحده ، أي : منفرداً بهذا الفعل ، وإن كان حاضراً معه غيره ، أي : كلمني خصوصاً ، وكذلك لو قلت : كلمته من بينهم وحده ، كان معناه خصوصاً كما قرره سيبويه ، وأما الذي في الحديث ، فلا يتقدر هذا التقدير ، لأنه من المحال أن يموت خصوصاً ، وإنما معناه : منفرداً بذاته ، أي : على جدته ، كما قال يونس ، فقول يونس صالح في هذا الموطن ، وتقدير سيبويه له بالخصوص يصلح أن يحمل عليه في أكثر المواطن ، وإنما لم يتعرف وحده بالإضافة ، لأن معناه كمعنى لا غير ، ولأنها كلمة تنبئ عن نفي وعدم ، والعدم ليس بشيء فضلاً